أسطورة عبد الله بن سبأ و الهيمنة اليهودية

 

أقول في البداية أني لا أقصد أبدا إغفال جرائم الصهاينة اليهود المستعمرين لأرض فلسطين، فإسرائيل دولة إستعمارية و إن ادعت أنها يهودية. قصدي هنا هو رفض إتهام كل اليهود، حتى النساء و الأطفال الفقراء، بالمصائب التي أصابت المسلمين منذ بعثة النبي الكريم إلى عصرنا الحالي. و أقول بصراحة أني لا أعرف إمرأة أجنبية قد قدمت دعما ماديا و معنويا للفلسطينيين و السوريين أكثر مني. بل و لا أعرف إمرأة ثرية قد تلقت تهديدات بالقتل و الإغتصاب أكثر مني. رغم ذلك أشعر بالحزن عندما أقرأ عبارات مثل ‘الشيعة كلاب اليهود’، ‘الشيعة عبيد اليهود’، ‘السيسي أحقر من اليهود’…! ما ذنبنا أننا ولدنا في عائلات يهودية؟ كيف يريد العرب و المسلمون أن نساعدهم في تحرير فلسطين و نقدم العون إلى المظلومين و الفقراء إن كانوا يعتقدون أننا أكفر و أحقر الناس؟ أليس الله وحده الذي سيحكم بين الناس يوم القيامة؟ إننا لا ننسى رحمة المسلمين عندما كانت الكنيسة الأوروبية تعذب وتضطهد اليهود. لقد قتل الصليبيون كثيرا من اليهود و لولا صلاح الدين الأيوبي و غيره لما كان لليهود وجود في بلاد الشام.

إني أرفض أسطورة عبد الله بن سبأ لأنها تدعي أن السيدة عائشة و علي بن أبي طالب و عمار بن ياسر و الزبير بن العوام و ابن عباس و الحسين بن علي كانوا أغبياءا لأن رجلا لا نعرف أصله قد خدعهم! هل استطاع هذا الرجل أن يخدع أيضا رجالا أذكياء كمعاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص؟ و من المعروف أن بعضا من صحابة النبي قد اعترضوا على حكم عثمان و علي و ليس من المنطق القول أن رجلا من أصل يهودي قد خدعهم. و علماء الشيعة الأوائل معروفون و من الجهل القول أن مذاهبهم قد أنشأها هذا الرجل.

و لو كان ابن سبأ سبب الفتن الأولى و المحرض الأكبر لعرف نسبه و لعرفت قبيلته. أما أن يقال أن أمه سوداء فهذا لا يدل على شيء! فمن المعروف أن اليهود يكتبون وصاياهم (و مذكراتهم) لأبنائهم. فلماذا لا يعرفه يهود اليمن؟ و أما القول أنه أخفى يهوديته و أراد تدمير الإسلام و المسلمين فهذا له علاقة كبيرة بالصهيونية و إسرائيل. فمن المعروف أن علماء اليهود قد بحثوا الكثير من الكتب و المخطوطات و كتبوا كثيرا عن قبائل اليهود و لم يجدوا نصا يهوديا واحدا عن ابن سبأ و أهله.

 كان المؤرخون المسلمون القدماء أكثر صدقا من الكتاب الإسلامويين العاطفيين. فقد ذكروا قتال المسلمين مع بعضهم و مؤامراتهم. هل قتل اليهود علي بن أبي طالب و الزبير بن العوام و عمار بن ياسر و عبد الله بن الزبير؟ هل دمر اليهود دول الأمويين و العباسيين و الفاطميين و المرابطين و الموحدين؟

 قلت مرة أن يهودا كانوا فقراء مهاجرين فصاروا قادة فكر و أعمال و إعلام. أين اللوبي العربي و الإسلامي؟ عندما يزعم البعض أن اليهود يتحكمون بالعالم فهل يعني هذا أن اليهود أذكى الناس و غيرهم أغبياء؟ يقول القرآن  : ‘إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم’ و لم يقل حتى يكفر المسلمون غير المسلمين. ألم يقل القرآن ‘ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون’؟ فليحكم الله بيننا و لنساعد بعضنا البعض في محاربة الظالمين. أين الحاكم المسلم الذي يقول: من أمير المؤمنين إلى كلب النصيرية بشار المجرم، سنرسل إليك جيشا أوله في دمشق و آخره في مكة؟

إنني أزور الفقراء و المساكين و المخيمات في القارات الخمس و أرى نشطاء و أطباء أمريكيين و أوروبيين يخدمون الناس لأسباب إنسانية. كيف سيشعر هؤلاء الناشطون و الأطباء إن قال الناس لهم: إنكم كفار فجرة؟ و أخيرا أقول للسوريين: لا أريد منكم جزاءا و لا شكورا. إنما أخدمكم لوجه الله الكريم

Aside

ذكريات سورية ٢

 

كانت مجزرة حماة في شهر فبراير سنة ١٩٨٢ سببا رئيسيا لاهتمامي بالقضية السورية. قرأت مقالات روبرت فيسك و صحفي إيطالي و شعرت بغضب شديد. لم أعرف ماذا أفعل. إتصلت بعالم مسلم أوروبي له علاقة طيبة بجماعة الإخوان المسلمين. دعاني هذا العالم إلى زيارته في أوروبا فقمت بزيارته في لندن و من ثم قررنا زيارة المفكر السوري عصام العطار في ألمانيا.

زرنا المركز الإسلامي في آخن و ثم التقينا بعصام العطار. كان يوجد حرس ألماني. سلمت على عصام و أخبرته عن تضامني مع أهل مدينة حماة. كانت لغتي العربية ضعيفة و لكني فهمت غضبه على حكم الدكتاتور حافظ الأسد. و لقد صدمت عندما علمت أن إرهابي النظام السوري قد قاموا بقتل زوجته بنان الطنطاوي في ألمانيا سنة ١٩٨١. لم يرغب عصام بالكفاح المسلح في سورية و كان يقول بضرورة تكوين طلائع إسلامية. كان المراقب العام الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في سورية بعد مصطفى السباعي. أراد الملك الحسين بن طلال إكرامه لكنه رفض العيش في الأردن و قرر أن يعيش حياة بسيطة محفوفة بالمخاطر. و من المدهش أن قال البعض أن عصام قد تكلم مع صحفية ألمانية ربما لأن شعري ذهبي اللون و عيوني زرقاء.

بعد فترة ذهبت مع سوري من عائلة علوان الحلبية إلى مدينة الرياض لزيارة العالم عبد الفتاح أبو غدة. اشتريت حجابا و كنت خائفة أن يطردني الشيخ و يقول لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا خاصة و أن إسرائيل كانت تذبح الفلسطينيين في ذلك الوقت. قال الشيخ: و عليكم السلام. أهلا و سهلا بالأخت الكريمة. قلت: الكثير من الأمريكان لا يعرفون حقيقة الأمر في سورية. تحدث الشيخ عن ظلم حافظ الأسد و عن جماعة الإخوان المسلمين وعن مدينة حماة. كان نظره نحو الأرض و لقد بكى و شعرت بحبه الكبير للعلم و العلماء. لم يكن الشيخ راضيا عن الكفاح المسلح و أحسست أنه يشعر بالذنب من أجل الأبرياء الذين قتلهم المجرم حافظ الأسد. كانت للشيخ علاقات طيبة مع الحكام و أراد قبل موته لقاء حافظ الأسد بعد رجوعه إلى مدينة حلب. لم يكن الشيخ محبوبا من قبل السلفيين المتشددين الذين يرفضون فقه المذاهب.  ذكرني الشيخ بأحبارنا الذين يقضون كل حياتهم في دراسة النصوص الدينية.

كان لقائي الثالث مع الشيخ الحموي سعيد حوى في الأردن. كان الشيخ سمينا و يعاني من الأمراض و كان معه رجل نحيف ملتح لا أذكر اسمه. على عكس عصام العطار و الشيخ أبو غدة، كان سعيد حوى مؤمنا بضرورة الكفاح المسلح ضد نظام حافظ. حدثني الشيخ عن شيخه الشهير محمد الحامد و عن كفاح مروان حديد و عن جماعة الإخوان المسلمين. كان محبا كبيرا لحسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين و أعتقد أنه أعظم شارح لتعاليم حسن البنا. و بالطبع فقد كان مؤلفا كبيرا. كنت ألبس الحجاب و لم أخبر الشيخ و أصحابه عن ديانتي اليهودية.

كانت للشيخ علاقات حسنة مع الرئيس العراقي صدام حسين الذي سمح للمعارضين الإسلاميين القيام بالتدريبات العسكرية في العراق. ذهب بعض المقاتلين السوريين الى أفغانستان و باكستان و التحق قليلون منهم بتنظيم القاعدة بعد مقتل الشيخ عبد الله عزام في سنة ١٩٨٩.

قام أستاذ حموي من عائلة الشواف بالتحضير للقائي بعدنان سعد الدين الذي قاد التحالف الوطني لتحرير سوريا والذي ضم جماعة الإخوان المسلمين و أحزابًا علمانية ويسارية.  كان اللقاء جافا و سياسيا و صحفيا. تكلم عدنان عن جرائم حافظ الأسد و أخيه القذر رفعت. قال عدنان: هل تعلمين أن عصابات حافظ الكلب يغتصبون النساء في سجونهم القذزة؟ هذا الكلب الحقير لا يفهم إلا لغة القوة و السلاح.

كان لقائي بهؤلاء القادة الإسلاميين الأربعة سببا لزيارتي لسوريا لمعرفة المزيد عن حكم عائلة الأسد التي ذبحت الكثير من الأبرياء السوريين و الفلسطينيين….للحديث بقية

Aside

ذكريات سورية (1)

 

ولدت في عائلة يهودية أرثوذكسية محافظة في الولايات المتحدة الامريكية. إلتحقت بمدرسة يهودية و كنت أتحدث العبرية. لقد كان طبيعيا أن نهتم بأخبار الشرق الأوسط بسبب دولة إسرائيل.

حرب سنة ١٩٦٧ غيرت نظرة والدي نحو إسرائيل و قرر معارضة الصهيونية و زيارة فلسطين و لبنان. أخذني والدي إلى لبنان قبل إلتحاقي بالجامعة و التقينا بالحاج أمين الحسيني. كان أمين نحيفا و حزينا و متواضعا و كريما، و أدركنا أن حكام العرب الدكتاتوريين لا يريدونه أن يمثل الفلسطينيين بسبب إسلاميته.

ذات يوم زار المفكر و الناشر السوري الشهير زهير الشاويش مؤسس المكتب الإسلامي بيت أمين الحسيني. كان هذا أول لقاء لي بشخصية سورية محترمة. تحدث زهير عن دمشق و حي الميدان و عن الإسلام و عن كفاح الإخوان المسلمين في فلسطين و عن خيانة الحكام العرب. في اليوم التالي أعطى زهير والدي نسخة جميلة من القرآن لا زلت أحتفظ بها في بيتي و كتابين صغيرين لمصطفى السباعي عن حضارة الإسلام و المستشرقين. و تعرفنا في ذلك الوقت على العالمين الكبيرين ناصر الدين الألباني و شعيب الأرناؤوط الذين كانا يعملان مع زهير. من المدهش أن هؤلاء الرجال الثلاثة قدأخبروا والدي عن ضلال حزب البعث و كفر و ظلم حافظ الأسد. كان هذا في سنة ١٩٧٢.

إلتحقت بالجامعة بعد رجوعنا من لبنان و تفرغت للدراسة حتى حصولي على شهادة الدكتوراه. تأثرت في هذه الفترة بفكر المفكرين الناقدين وعلى رأسهم نعوم تشومكي و لكني رفضت الإلحاد و الماركسية التي أعلم بجرائمها ضد الإنسانية و بتعاونها مع الصهيونية. في سنة ١٩٧٩ إلتقيت بإدوارد سعيد بعد نشر كتابه عن الإستشراق و شعرت بضرورة تعلم اللغة العربية.

كنت أظن أن فلسطين هي المشكلة العالمية الوحيدة التي يجب أن أفكر بها لكن جرائم الإتحاد السوفييتي في أفغانستان قد أجبرتني على الكفر بالفكر اليساري الذي لا يهمه إلا نقد الإمبريالية الأمريكية. ثم جاءت جرائم حافظ الأسد و إسرائيل سنة ١٩٨٢…

Aside